الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
311
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في قوله تعالى بعد هذا وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ النمل : 87 ] وهو في معنى قوله تعالى وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [ يس : 59 ] فيحشر من كل أمة مكذبو رسولها . والفوج : الجماعة من الناس . و مِنْ الداخلة على كُلِّ أُمَّةٍ تبعيضية وأما ( من ) الداخلة على مِمَّنْ يُكَذِّبُ فيجوز جعلها بيانية فيكون فوج كل أمة هو جماعة المكذبين منها ، أي يحشر من الأمة كفارها ويبقى صالحوها . ويجوز جعل ( من ) هذه تبعيضية أيضا بأن يكون المعنى إخراج فوج من المكذبين من كل أمة . وهذا الفوج هو زعماء المكذبين وأئمتهم فيكونون في الرعيل الأول إلى العذاب . وهذا قول ابن عباس إذ قال : مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة ، وكذلك يساق أمام كل طائفة زعماؤها . وتقدم تفسير فَهُمْ يُوزَعُونَ في قصة سليمان من هذه السورة [ 17 ] . والمعنى هنا : أنهم يزجرون إغلاظا عليهم كما يفعل بالأسرى . والقول في حَتَّى إِذا جاؤُ كالقول في حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ [ النمل : 18 ] ولم يذكر الموضع الذي جاءوه لظهوره وهو مكان العذاب ، أي جهنم كما قال في الآية حَتَّى إِذا ما جاؤُها [ فصلت : 20 ] . و حَتَّى في حَتَّى إِذا جاؤُ ابتدائية . و إِذا الواقعة بعد حَتَّى ظرفية والمعنى : حتى حين جاءوا . وفعل قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي هو صدر الجملة في التقدير وما قبله مقدم من تأخير للاهتمام . والتقدير : وقال أكذبتم بآياتي يوم نحشر من كل أمة فوجا وحين جاءوا . وفي قالَ التفات من التكلم إلى الغيبة . وقوله أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي قول صادر من جانب اللّه تعالى يسمعونه أو يبلغهم إياه الملائكة . والاستفهام يجوز أن يكون توبيخيا مستعملا في لازمه وهو الإلجاء إلى الاعتراف بأن المستفهم عنه واقع منهم تبكيتا لهم ، ولهذا عطف عليه قوله أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فحرف أم فيه بمعنى ( بل ) للانتقال ومعادل همزة الاستفهام المقدرة محذوف دل عليه قوله أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . والتقدير : أكذبتم بآياتي أم لم تكذبوا فما ذا كنتم تعملون إن لم